في حال الإصابة بارتفاع ضغط الدم في بداياته، افعلوا كل شيء إلا التالي

الإصابة بارتفاع ضغط الدم
أصدقاء الصحة الأعزاء،
يسعدني أن أرى أنّ الكثيرين فهموا خديعة الكولسترول. أصبح الكثيرون يعلمون أنّ الكولسترول “بريء” بشكل عام، وأنه ضروري للحياة وأنّ خفضه بشكل اصطناعي يشكّل خطراً.
لكن قلة من الناس يدركون أنّ مسألة ارتفاع ضغط الدم “خديعة” أيضاً. طلبت حماتي مؤخراً نصيحتي بشأن ضغط الدم الذي بدأ يرتفع لديها.
كانت العودة إلى ضغط طبيعيّ سهلة نسبياً في حالتها. توجّب عليها التالي:
  • أن تفعل كل ما في وسعها لتخفف قلقها الذي يشكّل على الأرجح سبب ارتفاع ضغطها، لاسيّما أنّ هذا القلق يؤثّر في نوعية نومها (ما يمكن أن يساعد: تمارين تأمل/تنفّس مثل تمارين تناغم ضربات القلب)
  • أن تمارس نشاطاً بدنياً أو رياضياً وأن تتعرّض أكثر لأشعة الشمس
  • أن تتناول المزيد من الخضار الغنيّة بالبوتاسيوم وأن تقلل من استهلاك الكربوهيدرات ذات مؤشّر السكر المرتفع (بما في ذلك الكورنفليكس، الأرز الأبيض والخبز الأبيض).
لكن ينبغي أيضاً تناول كميّة وافية من العناصر الغذائيّة الأساسيّة. بالتالي، نصحتها بتناول هذه المكمّلات “الضروريّة”:
  • فيتامينات متعددة من النوعية الجيدة (يحتوي كحل أمثل على العناصر الغذائيّة التالية: كيرسيتين، ان اسيتيل سيستين N-Acétyl-Cystéine، مساعد الانزيمQ10، حمض ألفا-ليبويك وليكوبين، فضلاً عن الفيتامينين E وB9 )؛
  • 500 إلى 1000 ملغ من الفيتامين C (جرعتان أو 3 جرعات في اليوم)؛
  • مكمّل من الفيتامين D ليكون معدل الدم أعلى من 40ng/ml
  • مكمّل جيد من المغنيزيوم (جرعتان في اليوم)
بفضل هذا كله، ينبغي أن يعود ضغط دم حماتي إلى مستويات مقبولة.
وإن لم يحصل هذا، يمكن أن نضيف الثوم أو خلاصة أوراق الزيتون أو حتى عصير البنجر (الشمندر)- نعم، نعم، ثمة أدلة علمية على نجاح هذه العلاجات الثلاثة.
لكني سأعود لاحقاً إلى هذه الحلول الطبيعيّة لارتفاع ضغط الدم.
ما سأركّز عليه اليوم هو ما ينبغي بشكل خاص ألا تفعلوه.
لا تبدأوا أبداً بتناول الأدوية. ما ينبغي تجنّبه فعلاً في حال الإصابة بارتفاع طفيف في ضغط الدم أو في بداية الإصابة بارتفاع ضغط الدم، هو اللجوء إلى تناول دواء لخفض الضغط كل يوم.
أنا لا أقول هذا الكلام بدافع “أيديولوجيا معادية للدواء”. أقرّ تماماً بأنّ بعض الأدوية لخفض ضغط الدم مفيدة في بعض الحالات المحددة. لكن المشكلة تكمن في أنّ هذه الأدوية تُوزّع كالسكاكر ما أن يرتفع ضغط الدم قليلاً!
هذا هو الإجراء الكلاسيكيّ في الطب الحديث للأسف.
تبذل شركات الدواء الكبرى كل ما في وسعها كي تنصح السلطات الصحيّة المواطنين بتناول أدويتها على نطاق واسع جداً، بما في ذلك أولئك الذين لا يحتاجونها أو أولئك الذين يسجلون معدل فائدة- مخاطر سلبيّ.
كما تمكّنت شركات الدواء الكبرى من الحصول على الأذونات اللازمة كي يصف الأطباء العامون الأدوية المضادة للاكتئاب (في حين ينبغي حصرها بالأطباء النفسيين). النتيجة: مئات الملايين يتناولون أدوية مضادة للاكتئاب.
أما في ما يتعلق بالكولسترول، فقد خفّضت السلطات وتحت الضغط معدل الكولسترول الذي يُعتبر “طبيعياً”. وجاءت النتيجة نفسها: مئات الملايين يتناولون أدوية مضادة للكولسترول.
وينطبق الأمر نفسه على ضغط الدم: تم خفض المعدلات الدنيا بشكل اعتباطيّ.
بالتالي، بدأنا بوصف الأدوية بشكل واسع ومكثّف لأشخاص سجلوا معدل ضغط 140، في حين كان المرضى الذين يسجلون معدل ضغط 160 يُتركون وشأنهم ومن دون أدوية في الماضي.
علماً أنّ دراسة نُشرت في JAMA للطب الداخلي أظهرت أنّ هذا ليس تقدّماً. فمن بين 20 ألف مريض يسجّلون ارتفاعاً معتدلاً في ضغط الدم (ما بين 140/90 و160/100)، لم تتراجع الإصابة بأمراض القلب والشرايين لدى أولئك الذين تناولوا الأدوية بل ارتفعت!
إذن، لم تُظهر هذه الأدوية أيّ فاعلية في حالتهم. لكنهم اضطروا إلى تحمّل الآثار الجانبيّة المزعجة: انخفاض في ضغط الدم، إغماء، مشاكل في الكليتين، الخ…
كما أنّ إجبار ضغط الدم على أن ينخفض كثيراً يطرح إشكاليّة. فبحسب دراسة نُشرت في المجلة الطبيّة البريطانية British Medical Journal، أنتم معرّضون للموت بسبب مرض مرتبط بالقلب والشرايين عندما تعمل أدوية الضغط على خفضه بشكل غير طبيعي دون معدل 130.
قد يبدو هذا ذروة الأمر… لكنه في الواقع ليس مستغرباً أو مفاجئاً. فخفض ضغط الدم بشكل اصطناعي يطرح دوماً إشكاليّة.
عليكم أن تفهموني جيداً. عندما أقول إنه يطرح إشكاليّة فأنا لا أعني أنّ علينا تجنّب الدواء في المطلق.
في بعض الحالات، يشكّل الامتناع عن تناول الدواء خطورة ولعله من الأفضل أن نخفض ضغط الدم بالأدوية. فإن كان ضغط الدم بين 180 و200 على سبيل المثال، فمن المنطقي أن نتناول دواءً لخفضه… لأنّ ضغط الدم المرتفع مؤلم وخطير بشكل عام.
لكن ينبغي أن تدركوا أنّ الدواء لن يحل المشكلة الأساسيّة. عندما تخفّضون ضغط الدم بشكل اصطناعي، فأنتم لربما تتجنبون الخطر الأبرز (السكتة الدماغيّة) لكنكم… لا تعملون على حلّ السبب الحقيقي لارتفاع ضغط الدم لديكم؛ وأنتم تخلقون لأنفسكم مشاكل صحية أخرى بالتأكيد!
فارتفاع ضغط الدم لا يريد بكم السوء فقط، بل على العكس من ذلك.
لمَ لضغط الدم نواحٍ جيدة؟
ارتفاع ضغط الدم هو ردّ فعل طبيعي يقوم به الجسم. والهدف ليس إزعاجكم بل إنّ الهدف الرئيسي هو دفع الدم اللازم إلى الأعضاء والأنسجة كي تعمل بشكل صحيح.
أذكّر بأن الدم هو “الأم المرضعة” للجسم لأنه ينقل الأوكسجين والعناصر الغذائيّة الحيويّة عبر الجسم كله.
ويحتاج الدم كي يصل إلى مقصده، إلى ما يكفي من “الضغط” في الأوردة والشرايين والشعيرات الدمويّة. من دون ضغط كافٍ، يمكن أن تتعرّض أعضاؤكم لنقص في الغذاء وأن ينتهي بها الأمر بأن تتعطل وتتوقف عن العمل بشكل صحيح. فالدماغ الذي لا يحصل على كمية وافية من الدم على سبيل المثال يتجه وبشكل سريع نحو التدهور الإدراكي.
لاحظنا بشكل عام أنّ الأدوية المضادة لارتفاع ضغط الدم تُضعف الأعضاء التي يُعدّ وصول الدم إليها هو الأصعب، أيّ الأعضاء الواقعة “عند أطراف السلسلة” مثل الكليتين.
لا بد أنكم ترون الآن المشكلة الكبرى التي تنجم عن خفض الضغط بشكل اصطناعيّ.
أولاً، إنّ ارتفاع ضغط الدم مؤشّر على وجود خلل ما في الأوعيّة الدمويّة. إذا قمتم بخفضه بواسطة الدواء، فالأمر أشبه بعض الشيء بوضع لاصق لإخفاء الضوء الأحمر الذي يظهر على لوحة التحكم في السيارة.
اختفى العارض لكن أسباب الخلل بقيت. مما لا شك فيه أنّ ارتفاع ضغط الدم بشكل كبير يمكن أن يؤدي إلى سكتة دماغية نزفيّة (تترافق مع نزيف) (لأنّ ضغط الدم القوي جداً يُضعف على الأرجح الأوعية الدموية في الدماغ التي يمكن أن تتمزّق فتسبب نزيفاً فيه).
بالتالي، يُعتبر خطر الإصابة بسكتة دماغية هو السبب الذي يبرر إعطاء الأدوية للأشخاص المعرّضين للخطر. لكن لا ينبغي أبداً أن نبدأ بمعالجة الضغط في بداياته بالدواء قبل أن نفعل كل ما في وسعنا لخفضه بشكل طبيعي.
يجب حتى في حالة الضغط المرتفع والمزمن، أن نبذل قصارى جهدنا كي نخفّضه بشكل طبيعي، حتى نتمكّن من الاستغناء عن أحد الأدوية على الأقل (لكن حذار أن تتوقفوا عن تناول دواء الضغط بشكل مفاجئ ومن دون موافقة الطبيب).
يمكنني أن أتوقف عن الكلام هنا لأني قلت ما هو أساسي. لكني أنصح المهتمّين بالموضوع بأن يتابعوا القراءة لأني سأشرح لكم بالتفصيل ما هو ضغط الدم وكيف تعمل الأدوية فعلياً.
ما سأقوله تقنيّ قليلاً لكني بسّطت الأمور إلى أقصى حد. إذن، إن كنتم تعانون من ارتفاع في ضغط الدم، فأنصحكم بأن تقرأوا هذا القسم حتى النهاية.
أنا واثق من أنّ نظرتكم للأدوية المخصصة للضغط ستتغير وستختلف عما كانت عليه من قبل.
وفي نهاية المقال، سأقترح عليكم أن تشاركونا في التعليقات رد فعلكم أو شهادتكم الشخصيّة.
هل أنتم جاهزون؟ فلننطلق.
تخيّلوا مضخة وخرطوم للريّ.
لنأخذ هذه المقارنة البسيطة: مضخّة، خرطوم وماء.
المضخّة هي القلب. والخراطيم هي الأوردة والشرايين. والماء هو الدم.
إذن، تخيّلوا أنّ لديكم مضخة مياه موصولة بخراطيم… وأنكم تلهون بقياس الضغط داخل هذه الخراطيم. سرعان ما ستلاحظون أنّ الضغط في الخرطوم يختلف بحسب: القوة والسرعة اللتان تشغلون بهما المضخة؛ وطبيعة الخراطيم (عريضة أم ضيقة، مرنة أم صلبة).
لنبدأ بما هو أوضح: تأثير المضخة.
إذا قمتم بضخ الماء ببطء، فسيسيا الماء ببطء أيضاً في الخرطوم – يكون الضغط ضعيفاً.
إذا قمتم بضخ الماء بقوة أكبر، يزيد الضغط بشكل آلي (يصبح ضغط الماء على جدران الخرطوم أعلى حكماً).
ينطبق الأمر نفسه على القلب طبعاً: كلما ضخّ بقوة أكبر، كلما ارتفع الضغط على الشرايين.
ويرتفع الضغط أيضاً عندما نضخ بسرعة أكبر- وهذا هو الحال عندما يرتفع معدل نبضات القلب، إذ يميل الضغط إلى الارتفاع.
لنأخذ مثلاً بسيطاً: ما هي اللحظة النموذجيّة التي ينبض فيها القلب بشكل أسرع وأقوى؟
عند ممارسة الرياضة!
وهذا منطقي لأنّ العضلات تحتاج إلى كمية اكبر من الأوكسجين… وبالتالي إلى مزيدٍمن الدم. ولكي يصل هذا الدم الإضافي إلى العضلات، ينبض القلب بشكل أسرع وأقوى.
النتيجة: يرتفع ضغط الدم ويمكن أن يصل بسهولة إلى 180 (أو 18).
لكن انتبهوا: أنا أتحدّث هنا عن الضغط الذي يُقاس في اللحظة التي ينقبض فيها القلب ليضخ الدم نحو الأعضاء. وهذا ما يُعرف بضغط الدم الانقباضيّ.
عندما يُقال لكم إنّ ضغطكم هو 130/80 (أو 13/8) على سبيل المثال، فالرقم الأول أيّ 130 أو 13 هو الضغط الانقباضي.
أما الرقم الثاني أيّ 80 أو 8 فهو الضغط الانبساطي: وهو يقيس الضغط عندما يستريح القلب، بين نبضتين (وهو لا يختلف كثيراً عند ممارسة أيّ نشاط رياضي).
ولتبسيط الأمور، لن أتحدّث هنا إلا عن الضغط الانقباضيّ- عندما ينقبض القلب ليضخّ الدم.
ما يظهره مثل الرياضة هو أنّ زيادة الضغط يمكن أن تكون ايجابيّة! فهي ما يسمح لكم ببذل جهد جسديّ كبير.
في المقابل، يعلم الجميع أنّ انخفاض الضغط مسألة مزعجة جداً: ستُجبرون على الاستلقاء وستشعرون بأنكم على وشك أن تفقدوا الوعي.
باختصار، إنّ ارتفاع ضغط الدم ليس سيئاً دوماً. أعود وأكرر أنه المعدل الذي يختاره الجسم كي يوصل الدم اللازم إلى كافة أنحاءه بشكل صحيح.
هل إبطاء القلب بواسطة الدواء فكرة حسنة؟
لكن لنعد إلى المضخة. إن كنا نستطيع أن نزيد الضغط عبر الضخ بشكل أسرع وأقوى… فيمكننا أيضاً أن نخفض الضغط عبر الضخ بقوة وسرعة أقل. وهذا ما تفعله بالتحديد فئة من الأدوية التي تخفض الضغط وهي “حاصرات المستقبل بيتا”. هذه الفئة من الأدوية تبطئ القلب وتجعله ينبض بقوة أقل.
المشكلة: قلب أضعف يعني تعب أكثر، اكتئاب أكبر، غثيان أكثر، وخلل جنسيّ أكبر، الخ…
إذن، هذه الأدوية معروفة بأنها تسبب هذا النوع من الآثار غير المرغوب فيها التي تؤدي إلى تدهور نوعية حياة الكثير من المرضى.
مما لا شك فيه أنّ هذه الأدوية يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات المحددة جداً (كحال شخص في الخمسين من عمره مثلاً وهو شخص نشط للغاية ومعرّض للكثير من الضغط النفسي والإجهاد، وغير قادر على خفض وتيرة حياته ومعرّض في أيّ لحظة للانهيار).
لكن لمواجهة ضغط الدم- ومن باب أولى لدى المسنين- نرى جيداً أنّ هذا من شأنه أن يسبب مشاكل خطرة.
هذا في ما يتعلق بالمضخة. لكن ما يؤثر في الضغط هو أيضاً وبشكل خاص حال الخراطيم!
يشكّل حال شرايينكم مفتاح معدل الضغط لديكم!
إنّ لقُطر الخرطوم أولاً آثار كبيرة على الضغط. كما أنّ الأثر الرئيسيّ غير مباشر.
إذا قرصتم خرطوم الريّ بمشبك ستقللون دفق الماء فيه. ولريّ النباتات بخرطوم مقروص من دون أن يستغرق الأمر ساعات طويلة، ستضطرون إلى ضخ الماء بقوة أكبر (أو فتح الصنبور على وسعه).
ينطبق الأمر نفسه على الأوردة والشرايين. إن كانت مسدودة نسبياً بلويحة تصلّب، فسيضطر الدم لأن يمرّ بمساحة أضيق ما يقلل من دفقه.
وعندما يتعرض الدم للعرقلة ولا يسيل بشكل جيد، يعمل القلب على التكيّف: فينبض بسرعة وقوة أكبر ليسمح بمرور الدم بشكل أفضل- ما يرفع ضغط الدم.
هذا في ما يتعلّق بتأثير اللويحات الضارة التي تسدّ الشرايين.
لكن ثمة ظاهرة أخرى أهم، تقلل قطر الشرايين وتجعلها أضيق: ما يجري عندما تقرر “خراطيمكم” أن تفتح أو أن تُغلق. في الواقع، عندما تكون الشرايين والأوردة بصحة جيدة، يمكنها أن تتمدد وأن تتقلّص حسب الحاجة.
عندما تتمدد، يزيد قطرها ما يساعد على دفق الدم أكثر. في هذه الحالة، لا يُضطر القلب لأن يضخّ بقوة شديدة ليوصل الدم إلى الأنسجة، لأنّ الدم يتحرك بحرية أكبر.
في المقابل، عندما تتقلص الشرايين، تقلل الدفق، ويمكن لهذا أن يحدث بشكل موضعي عندما تكون بعض الأنسجة أو الأعضاء بحاجة إلى كمية من الدم أقل من سواها.
إذن، يكيّف نظام الأوعيّة الدمويّة السليم والصحيح دفق الدم بحسب الحاجات المحددة لكل عضو ونسيج!
ويسمح هذا للجسم بأن يختار أين يريد أن يوزّع الدم من حيث الأولويّة، من دون أيّ تغيير في الضغط الذي يقوم به القلب.
بالتالي، عندما تمارسون الرياضة، تتمدد شرايين العضلات أكثر من سواها لأنها الأكثر حاجة إلى الأوكسجين الذي ينقله الدم. هذا التمدد الموضعي يزيد دفق الدم في العضلات من دون أن يغيّره في مواضع أخرى.
ولهذا فائدة ضخمة. فمن دون هذا التمدد، يتوجّب على القلب أن ينبض بقوة أكبر ليتمكّن من بذل الجهد نفسه، ما يرفع الضغط بالطبع.
وهذا يعني أنّ التمتع بشرايين مرنة وليّنة أمر مهم وضروري. لكن الكل يعلم أنّ الشرايين تصبح متصلّبة مع التقدّم في العمر، وذلك بسبب تكلّس الأوردة بشكل خاص.
وفي هذه الحالة، نجد أنفسنا أمام احتمالين عندما تفتقر الأنسجة إلى الأوكسجين:
يمكن للجسم أن يمنعكم من بذل الجهد عبر إشعاركم بالتعب
أو يمكن للقلب أن ينبض بقوة أكبر وبوتيرة أسرع ليعوّض.
إذن، إنّ الشرايين التي تتمدد وتتقلص بشكل سليم وصحيح هي الطريق الملوكي لكي تتجنبوا أمراض القلب والنوبات القلبيّة والسكتات الدماغية.
في المقابل، يُعدّ ارتفاع الضغط مؤشراً على أنكم في مأزق وفي مسار سيء.
يضاف إلى ذلك أنّ تصلّب الشرايين يرفع في الواقع معدل الضغط لديكم بشكل آلي.
سأشرح لكم السبب. إذا جرت المياه في خرطوم من المعدن فسيبقى الضغط هو نفسه. لكن إذا جعلت المياه تجري في بالون طولي، فسينخفض الضغط لأنّ ليونة الجدار ستخفف من ضغط الماء.
ينطبق الأمر نفسه على الأوردة: عندما تكون مرنة وليّنة، تمتص جزءاً من الضغط القادم من القلب.
لكن عندما تكون متصلّبة، تتلقى على جدرانها كامل الضغط الآتي من القلب- من دون امتصاص أو تخفيف. يمكن لهذا الضغط غير المخفف أن يتسبب بأضرار هامة في الوريد المعني… لكننا نرى من جديد أنّ السبب الحقيقي ليس ضغط الدم بل تصلّب الوريد!
بالتالي، يبقى من الأفضل أن نعمل على الأسباب بدلاً من أن نعمل على النتائج!
إذن، نلخّص ما قلناه بالتالي، إنّ لحالة “خراطيم الجسم” الصحية نوعين من الأثر على الضغط:
يمكن للأوردة المسدودة جزئياً والأوعية الدمويّة المتصلبة أن تُجبر القلب على أن ينبض بسرعة أو قوة أكبر لكي يصل الدم إلى الأنسجة والأعضاء ويغذيها بشكل أفضل (ما يرفع الضغط ويُضعف القلب)؛
تزيد الأوردة المتصلبة معدل الضغط بشكل آلي حين لا تلعب دور “مخفف الصدمات”: عندئذ، يكون ارتفاع الضغط مؤشّراً وحسب على أنّ الأوردة أصبحت أكثر تصلّباً.
إذن، لن تتفاجأوا إذا علمتم أنّ خفض الضغط بشكل اصطناعي ليس “العصا السحري” الذي يحل المشكلة.
انطلاقاً مما تقدّم، هذه الأدوية لا تطيل أعماركم فعلاً- وهذا هو الاستنتاج الذي توصّلت إليه إحدى أكبر التجارب السريريّة التي أجريت. في هذه الدراسة، تناول 17000 مريض يسجّلون معدل ضغط وسطيّ 160/100، بشكل يوميّ إما دواءًحقيقياً وإما دواءً وهميّاً. وتبيّن أنّ الذين تناولوا الدواء لم يعيشوا لوقت أطول بكثير من الآخرين!
مما لا شك فيه أنّ نسبة تعرّضهم للسكتات الدماغية أقل بقليل، وهذا أمر جيد. لكن ينبغي ألا يدفعنا هذا إلى الاعتقاد بأن هذه الأدوية تحقق المعجزات في ما يتعلق بالسكتات الدماغيّة.
دعونا نتأمل نتائج “دراسة برمنغهام” الشهيرة. فمن بين 27000 أميركي خضعوا للمتابعة والدراسة على مدى 6 أعوام، تعرّض للسكتات الدماغية أكثر من سواهم أولئك الذين يتناولون قدر أكبر من الأدوية!
ولا يعني هذا أنّ الأدوية تسبب السكتات الدماغيّة بالطبع – يمكننا أن نفترض أنّ هؤلاء المرضى المعرّضين لخطر كبير كانوا ليصابوا بسكتات دماغيّة أكثر من دون الدواء.
لكن هذه النتائج تبيّن أنه لا يكفي أن نخفض الضغط بشكل اصطناعي لتجنّب السكتات الدماغية! بل ينبغي بكل بساطة أن نعالج أولاً سبب ارتفاع الضغط بدلاً من الضغط نفسه!
وإذا راقبتم كيفية عمل الأدوية، فستقتنعون أكثر بأنه لا ينبغي تناولها إلا كخيار أخير.
كيف تعمل الأدوية الخافضة للضغط الأخرى
من بين أنواع الأدوية المختلفة، نجد حاصرات قنوات الكالسيوم التي تعمل على “المضخة” و”الخراطيم” في الوقت نفسه:
تخفف هذه الأدوية قوة انقباض القلب؛
وتمنع الأوردة من الانقباض.
ويتسبب هذا حكماً بمشاكل، كما يمكن أن تتخيّلوا.
أولاً، بما أنها تعمل على قوة القلب، فهي معروفة بأنها تسبب التعب والسقوط، ما من شأنه أن يكون قاتلاً للأشخاص المسنين.
كما أنّ منع الوريد من أن ينقبض خطوة متهوّرة جداً.
ففي حال النزيف على سبيل المثال، تنقبض بعض الأوردة لتسمح باستمرار تدفق الدم إلى الأعضاء الحيويّة في الجسم (تنقبض الشرايين في المواضع التي لا يكون وصول الدم إليها أولوية، ما يخفض دفق الدم موضعياً).
إذن، المشهد السوداوي مع هذه الأدوية هو سقوط ناجم عن انخفاض كبير في ضغط الدم (مرتبط بالدواء)، إصابة في الرأس، ودماء تسيل- ونزيف يخرج عن السيطرة لأنّ الدواء يحدّ من قدرة الشرايين على أن تنقبض.
باختصار، يرى العديد من الأخصائيين أنّ هذه الفئة من الأدوية هي على الأرجح الأسوأ لخفض الضغط.
يبدأ الكثير من الأطباء العلاج عموماً بإعطاء الأدوية الأقدم: المدرّة للبول.
هذه الأدوية لا تعمل على الخراطيم ولا على المضخة: بل تعمل على كمية السوائل في الجسم!
بالتالي، هي أدوية تجعلكم “تتبوّلون”.
فكلما قلت السوائل التي تجري في الخرطوم، كلما قل الضغط. إنها مسألة ميكانيكيّة.
الأمر أشبه بعض الشيء بتفريغ بالون: سينخفض ضغط الهواء على الجدران حكماً. وفي السياق نفسه، يؤدي تقليل كمية الدم إلى خفض الضغط على جدران الأوردة والشرايين.
إذن، هذه الأدوية ستجعلكم تتبوّلون لخفض ضغط الدم.
كيف؟ عبر منع الكليتين من الاحتفاظ بالملح بكل بساطة (من “إعادة امتصاصه” لمزيد من الدقة).
والكل يعلم أنّ الملح يحبس الماء: ولهذا السبب تشعرون بالعطش الشديد بعد وجبة مالحة جداً.
إذن، تدفع هذه الأدوية الجسم، عبر تحرير الملح، إلى إفراز المزيد من البول، وبالتالي المزيد من الماء… ما يقلل كمية الدم في الجسم… وبالتالي يخفف ضغط الدم.
لكن المشكلة تكمن في أنه لا يمكن لنا أن نتدخّل في عمل الجسم الطبيعي من دون أن نتحمّل عواقب هذا التدخّل.
إنّ العيب الأكبر في هذه الأدوية هو أنها قادرة على أن تلحق الخلل في توازنات الصوديوم والبوتاسيوم في الجسم- وأن تتسبب بأشكال من التجفاف (لأن كمية السوائل في الجسم أقل).
يبقى أن نقول إنّ هذه الأدوية تعمل على الجسم بشكل أقل حدّة من الأدوية السابقة.
أما الفئة الكبيرة الأخيرة من الأدوية المضادة لارتفاع ضغط الدم فهي مثبطات انزيم محوّل الأنجيوتنسين (IEC) ومضادات مستقبلات الأنجيوتنسين أو السارتان.
وبما أنّ تأثيرهما على الضغط متشابه إلى حدّ كبير، فلن أتوسّع هنا في الحديث إلا عن الأولى أيّ مثبطات انزيم محوّل الأنجيوتنسين التي يشيع استخدامها أكثر من السارتان.
وكما يشير اسمها، تعمل هذه الأدوية على كبح أنزيم أساسي في الجسم. وما هي وظيفة هذا الأنزيم؟ يلعب هذا الأنزيم دورين أساسيين:
  • قبض الشرايين
  • زيادة احتباس الملح (والماء)
إذن، عندما نمنع هذا الأنزيم من القيام بعمله، نحصل على انخفاض في الضغط بموجب آليّتين:
عندما نمنع الشرايين من الانقباض، يتحسّن دفق الدم. بالتالي، لا يحتاج القلب لأن ينبض بسرعة وقوة ما يحدّ من ارتفاع الضغط؛
عندما نخفض احتباس الملح، نقلل كمية الدم التي تجري في الشرايين ما يجعل الضغط ينخفض بشكل آلي.
تكمن المشكلة كالمعتاد في إمكانية عدم وصول كمية كافية من الدم إلى بعض الأعضاء، لاسيّما تلك الواقعة في “نهاية السلسلة”، كالكليتين.
كما أن خفض كمية السوائل يمكن أن يؤدي إلى تجفاف موضعي.
ولعل هذين الأثرين يفسران لما يمكن لهذه الأدوية أن تتسبب بأمراض خطيرة في الكليتين.
ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد. فهذه الأدوية وعلى غرار الأدوية المدرّة للبول تؤثر في توازن الصوديوم والبوتاسيوم في الجسم.
ويمكن لها، عبر منع الكليتين من طرد البوتاسيوم في البول، أن تتسبب بزيادة نسبة البوتاسيوم في الدم، وهو أمر خطر، لا بل مميت.
مما لا شك فيه أنّ البوتاسيوم معدن ضروري لتنظيم الضغط. لكن من الأفضل أن تزيدوا من استهلاككم للخضار والفواكه الغنية بالبوتاسيوم بدلاً من أن تتناولوا دواء يزيد بشكل اصطناعي (وخطر في بعض الأحيان) معدّله في الدم.
أخيراً، لهذا الأنزيم آثار أخرى على الجسم بعيداً عن الضغط. عندما نعطّله، نعرّض أنفسنا لمفاجآت… كأن نصاب بسعال جاف مزمن، وهو التأثير الشائع غير المرغوب فيه. ولعل كبح هذا الأنزيم هو على الأرجح السبب الذي يجعل هذه الأدوية تزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة.
على الرغم من كل ما تقدّم، نشير إلى أنّ هذه الأدوية ليست سيئة في حدّ ذاتها، فالجسم يتحمّلها أكثر من سواها ويمكن أن تقدّم حماية لا بأس بها للمرضى الأكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض القلب.
لكن إن كنا نستطيع أن نتجنّب اللجوء إلى هذه الأدوية عبر خفض الضغط بشكل طبيعي، فمن الأفضل أن نفعل.
ولهذه الغاية، ثمة حل بسيط وغير معروف سأحدّثكم عنه في المقال القادم.
سترون أنّ الحل لا يكمن في التوقّف عن تناول الملح.
ملاحظة: إني مهتم جداً بالاطلاع على تجربتكم الشخصية مع ارتفاع ضغط الدم. إنكنتم تعانون من ارتفاع في ضغط الدم، فهل يمكنكم أن تخبروني كيف تتعاملون معه؟ مقاربة طبيعيّة، أدوية؟
وما هي النتائج في ما يتعلق بضغط الدم لديكم؟ وما هي الآثار الجانبية؟
سيساعدني هذا كثيراً في مقالاتي اللاحقة، فأرجو منكم مشاركتي تجربتكم.
ضغط الدم