إنّ ارتفاع ضغط الدم ليس سيئاً دوماً. إنه المعدل الذي يختاره الجسم كي يوصل الدم اللازم إلى كافة أنحاءه بشكل صحيح.
لنأخذ هذه المقارنة البسيطة: مضخّة، خرطوم وماء.
المضخّة هي القلب. والخراطيم هي الأوردة والشرايين. والماء هو الدم.
إذن، تخيّلوا أنّ لديكم مضخة مياه موصولة بخراطيم… وأنكم تلهون بقياس الضغط داخل هذه الخراطيم. سرعان ما ستلاحظون أنّ الضغط في الخرطوم يختلف بحسب: القوة والسرعة اللتان تشغلون بهما المضخة؛ وطبيعة الخراطيم (عريضة أم ضيقة، مرنة أم صلبة).
إن كنا نستطيع أن نزيد الضغط عبر الضخ بشكل أسرع وأقوى… فيمكننا أيضاً أن نخفض الضغط عبر الضخ بقوة وسرعة أقل. وهذا ما تفعله بالتحديد فئة من الأدوية التي تخفض الضغط وهي “حاصرات المستقبل بيتا”. هذه الفئة من الأدوية تبطئ القلب وتجعله ينبض بقوة أقل.
المشكلة: قلب أضعف يعني تعب أكثر، اكتئاب أكبر، غثيان أكثر، وخلل جنسيّ أكبر، الخ…
إذن، هذه الأدوية معروفة بأنها تسبب هذا النوع من الآثار غير المرغوب فيها التي تؤدي إلى تدهور نوعية حياة الكثير من المرضى.
مما لا شك فيه أنّ هذه الأدوية يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات المحددة جداً (كحال شخص في الخمسين من عمره مثلاً وهو شخص نشط للغاية ومعرّض للكثير من الضغط النفسي والإجهاد، وغير قادر على خفض وتيرة حياته ومعرّض في أيّ لحظة للانهيار).
لكن لمواجهة ضغط الدم- ومن باب أولى لدى المسنين- نرى جيداً أنّ هذا من شأنه أن يسبب مشاكل خطرة.
هذا في ما يتعلق بالمضخة. لكن ما يؤثر في الضغط هو أيضاً وبشكل خاص حال الخراطيم!
يشكّل حال شرايينكم مفتاح معدل الضغط لديكم!
إنّ لقُطر الخرطوم أولاً آثار كبيرة على الضغط. كما أنّ الأثر الرئيسيّ غير مباشر.
إذا قرصتم خرطوم الريّ بمشبك ستقللون دفق الماء فيه. ولريّ النباتات بخرطوم مقروص من دون أن يستغرق الأمر ساعات طويلة، ستضطرون إلى ضخ الماء بقوة أكبر (أو فتح الصنبور على وسعه).
ينطبق الأمر نفسه على الأوردة والشرايين. إن كانت مسدودة نسبياً بلويحة تصلّب، فسيضطر الدم لأن يمرّ بمساحة أضيق ما يقلل من دفقه.
وعندما يتعرض الدم للعرقلة ولا يسيل بشكل جيد، يعمل القلب على التكيّف: فينبض بسرعة وقوة أكبر ليسمح بمرور الدم بشكل أفضل- ما يرفع ضغط الدم.
هذا في ما يتعلّق بتأثير اللويحات الضارة التي تسدّ الشرايين.
لكن ثمة ظاهرة أخرى أهم، تقلل قطر الشرايين وتجعلها أضيق: ما يجري عندما تقرر “خراطيمكم” أن تفتح أو أن تُغلق. في الواقع، عندما تكون الشرايين والأوردة بصحة جيدة، يمكنها أن تتمدد وأن تتقلّص حسب الحاجة.
عندما تتمدد، يزيد قطرها ما يساعد على دفق الدم أكثر. في هذه الحالة، لا يُضطر القلب لأن يضخّ بقوة شديدة ليوصل الدم إلى الأنسجة، لأنّ الدم يتحرك بحرية أكبر.
في المقابل، عندما تتقلص الشرايين، تقلل الدفق، ويمكن لهذا أن يحدث بشكل موضعي عندما تكون بعض الأنسجة أو الأعضاء بحاجة إلى كمية من الدم أقل من سواها.
إذن، يكيّف نظام الأوعيّة الدمويّة السليم والصحيح دفق الدم بحسب الحاجات المحددة لكل عضو ونسيج!
ويسمح هذا للجسم بأن يختار أين يريد أن يوزّع الدم من حيث الأولويّة، من دون أيّ تغيير في الضغط الذي يقوم به القلب.
بالتالي، عندما تمارسون الرياضة، تتمدد شرايين العضلات أكثر من سواها لأنها الأكثر حاجة إلى الأوكسجين الذي ينقله الدم. هذا التمدد الموضعي يزيد دفق الدم في العضلات من دون أن يغيّره في مواضع أخرى.
ولهذا فائدة ضخمة. فمن دون هذا التمدد، يتوجّب على القلب أن ينبض بقوة أكبر ليتمكّن من بذل الجهد نفسه، ما يرفع الضغط بالطبع.
وهذا يعني أنّ التمتع بشرايين مرنة وليّنة أمر مهم وضروري. لكن الكل يعلم أنّ الشرايين تصبح متصلّبة مع التقدّم في العمر، وذلك بسبب تكلّس الأوردة بشكل خاص.
وفي هذه الحالة، نجد أنفسنا أمام احتمالين عندما تفتقر الأنسجة إلى الأوكسجين:
يمكن للجسم أن يمنعكم من بذل الجهد عبر إشعاركم بالتعب
أو يمكن للقلب أن ينبض بقوة أكبر وبوتيرة أسرع ليعوّض.
إذن، إنّ الشرايين التي تتمدد وتتقلص بشكل سليم وصحيح هي الطريق الملوكي لكي تتجنبوا أمراض القلب والنوبات القلبيّة والسكتات الدماغية.
في المقابل، يُعدّ ارتفاع الضغط مؤشراً على أنكم في مأزق وفي مسار سيء.
يضاف إلى ذلك أنّ تصلّب الشرايين يرفع في الواقع معدل الضغط لديكم بشكل آلي.
تابعوا المقالة التالية : أدوية ضغط الدم لا تطيل عمركم : ما الذي تفعله في جسمكم بالضبط ؟